العفو العام في لبنان: معالجة لأزمة العدالة أم تسوية مع عجزها؟

مقدمة

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام في 12 آب 2026، بعد سنوات من النقاش والتجاذب حول نطاقه والاستثناءات التي ينبغي أن ترد عليه. وجاء الإقرار في سياق قضائي شديد التعقيد: اكتظاظ السجون، طول أمد التوقيف والمحاكمات، وتراكم أعداد كبيرة من الملفات التي لم تصل إلى نهاياتها القضائية

لكن السؤال القانوني الأهم لا يتعلق بعدد المستفيدين من العفو، ولا بالجدل السياسي حول الفئات التي أُدخلت في نطاقه أو استُثنيت منه

السؤال الأعمق هو: هل يستطيع العفو العام أن يكون أداة للعدالة، أم أنه يصبح خطيرًا عندما يُستخدم كبديل عن العدالة؟

أولًا: العفو العام ليس حكمًا بالبراءة

ينبغي، قبل الدخول في الجدل، التمييز بين مفهومين مختلفين

العفو العام يصدر عن السلطة التشريعية، ويؤدي، وفق المادة 150 من قانون العقوبات، إلى إسقاط العقوبة الأصلية والفرعية والإضافية ضمن حدود قانون العفو نفسه، ولا تمتد آثاره إلى التدابير الاحترازية والإصلاحية إلا إذا نص قانون العفو صراحة على ذلك

وبالتالي، فإن العفو العام لا يعني بالضرورة أن الفعل المرتكب أصبح مشروعًا، ولا أن الشخص الذي استفاد منه ثبتت براءته

إنه، في جوهره، تدخل تشريعي استثنائي في السياسة العقابية للدولة

ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية

ثانيًا: لماذا يمكن أن يكون العفو العام مشروعًا ومفيدًا؟

هناك حالات يصبح فيها العفو العام أداة لمعالجة خلل حقيقي في النظام الجزائي

إذا كان شخص قد أمضى سنوات في التوقيف دون محاكمة نهائية، فإن استمرار احتجازه لا يمكن أن يتحول إلى عقوبة غير معلنة لمجرد أن القضاء لم يتمكن من إنجاز محاكمته ضمن مدة معقولة

وهنا يصبح العفو أحد الأدوات الممكنة لمعالجة تراكم تاريخي استثنائي

كما أن تخفيف الاكتظاظ في السجون يمكن أن تكون له قيمة قانونية وإنسانية واجتماعية، خصوصًا عندما يكون جزء من المشكلة ناتجًا عن طول التوقيف وتراكم الملفات. وقد كانت معالجة اكتظاظ السجون وأوضاع الموقوفين من أبرز الحجج التي رافقت المطالبة بإقرار القانون

لكن ذلك لا يكفي وحده

ثالثًا: المشكلة تبدأ عندما يصبح العفو بديلًا عن القضاء

هنا يجب أن نكون أكثر صراحة، إذا كان سبب اللجوء إلى العفو هو

أن الدولة غير قادرة على محاكمة الناس في وقت معقول، فلنعفُ عنهم بدلًا من محاكمتهم

فإننا لا نكون قد عالجنا أزمة العدالة، نكون قد أدرنا نتائجها

وهناك فرق جوهري بين الاثنين

القضاء هو الذي يقرر

هل ارتُكبت الجريمة؟

من ارتكبها؟

ما مسؤوليته؟

وما العقوبة التي يستحقها؟

أما العفو فيأتي، استثنائيًا، ليقرر المشرّع أن السياسة العقابية تقتضي إسقاط العقوبة أو تخفيفها بالنسبة إلى فئات محددة

لذلك

العفو قد يعالج بعض آثار عجز العدالة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل العدالة

رابعًا: الاستثناءات تكشف فلسفة القانون

تكمن أهمية قانون العفو الحالي أيضًا في الاستثناءات التي أحاط بها المشرّع نطاق العفو

فخلال مناقشة الاقتراح في اللجان النيابية، دار نقاش واسع حول جرائم الإرهاب، والقتل، والخيانة والتجسس والتواصل غير المشروع مع العدو، والمخدرات وغيرها من الجرائم، قبل الوصول إلى الصيغة التي أقرها المجلس

وهذا يكشف أن السؤال لم يكن

«هل نعفو؟»

بل

كيف نتجاوز عجز الدولة عن تأمين سيرورة المحاكمات وصولاً للعدالة

و

«عن أي أفعال يمكن للدولة أن تتنازل عن حقها في العقاب، وأي أفعال لا تستطيع أن تفعل ذلك؟»

وهذه هي المسألة الجوهرية في أي قانون عفو

فالعفو العام ليس مجرد عملية حسابية لعدد السجناء الذين سيخرجون

إنه إعادة رسم مؤقتة لحدود السياسة الجزائية للدولة

خامسًا: ماذا عن المحاكمين بالإرهاب والتجسس والتعامل والمخدرات؟

هنا تحديدًا يجب مقاومة التبسيط

لا يصح أن يُختزل النقاش في معادلة

«مع العفو = مع المجرمين»

أو

«ضد العفو = ضد الموقوفين والمظلومين»

هذه الثنائية غير قانونية وغير منتجة

المسألة الحقيقية هي طبيعة الجريمة، ودرجة خطورتها، ومرحلة الملف، وحالة الدليل، وطول مدة التوقيف، وضمانات المحاكمة العادلة، وما إذا كان الاستثناء عامًا أم يميز بين الحالات المختلفة

فالعدالة لا تعني فقط أن يعاقب المذنب

العدالة تعني أيضًا

ألا يُعاقب من لم تثبت مسؤوليته، وألا يتحول التوقيف إلى عقوبة، وألا تُستخدم خطورة التهمة ذريعة لإبقاء المحاكمة إلى أجل غير معلوم

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول أزمة القضاء إلى مبرر لإسقاط المسؤولية عن أفعال شديدة الخطورة بمجرد مرور الزمن أو تراكم الملفات

سادسًا: السؤال الذي يجب أن يسبق أي عفو جديد

إذا كان العفو الحالي يعالج جزءًا من مشكلة تراكم الملفات، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه في اليوم التالي لإقراره هو

ماذا سنفعل حتى لا نحتاج إلى قانون عفو عام جديد بعد سنوات؟

وهنا تصبح المسألة إصلاحية وليست جزائية فقط

نحتاج إلى النظر في

مدة التوقيف الاحتياطي

أسباب التأخير القضائي

إنتاجية المحاكم

الشغور القضائي

آليات إدارة الملفات

البنية التحتية للمحاكم

المحاكمات عن بُعد حيث تكون مناسبة

البدائل عن التوقيف

تسريع المحاكمات في الملفات التي لا تستوجب احتجازًا طويلًا* وتقييم دوري لأسباب تراكم الدعاوى

إذا لم تُعالج هذه العناصر، فقد يكون العفو مسكنًا ناجحًا لمشكلة متكررة، لكنه لن يكون علاجًا لها

الخلاصة

لا أرى قانون العفو العام إما خيرًا مطلقًا أو هروبًا مطلقًا من العدالة

قد يكون مشروعًا ومفيدًا عندما يستخدم بصورة استثنائية لتصحيح آثار تراكم غير طبيعي في النظام الجزائي، ولا سيما عندما يكون استمرار الاحتجاز أو العقوبة قد أصبح منفصلًا عن الغاية الأصلية للعقوبة

لكنه يصبح مقلقًا عندما يتحول إلى آلية دورية لإدارة عجز الدولة عن إنجاز العدالة

ومن هنا يمكن صياغة الموقف في معادلة بسيطة

العفو قد يكون أداة للعدالة عندما يصحح استثناءً؛ لكنه يصبح خطرًا عندما يحل محل النظام

لذلك، فإن قيمة قانون العفو الحالي لن تُقاس فقط بعدد الذين سيستفيدون منه، بل أيضًا بما إذا كانت الدولة ستنجح، بعده، في أن تجعل المحاكمة هي القاعدة، والعفو هو الاستثناء