إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان: تحوّل تشريعي في مفهوم العقوبة والعدالة

شكّل صدور القانون رقم /68/ تاريخ 17 آب 2026، المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، محطة تشريعية بارزة في تاريخ السياسة الجزائية اللبنانية، إذ أنهى وجود هذه العقوبة من المنظومة التشريعية بصورة صريحة، بعدما استمر وقف تنفيذها عمليًا لسنوات طويلة. وقد نُشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 آب 2026، وأصبح نافذًا فور نشره

لكن أهمية هذا القانون لا تقتصر على حذف عقوبة من قائمة العقوبات الجنائية، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تحديد الحدود التي يمكن أن تبلغها سلطة الدولة في العقاب، وإلى إعادة النظر في العلاقة بين حماية المجتمع، وتحقيق الردع، واحترام الحق في الحياة وكرامة الإنسان

ماذا غيّر القانون؟

ألغت المادة الأولى من القانون رقم /68/ عقوبة الإعدام أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية. كما عُدّلت المادة /37/ من قانون العقوبات لتصبح العقوبات الجنائية العادية محصورة بالعقوبات السالبة للحرية، وفي مقدّمها الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، والأشغال الشاقة المؤبدة، والاعتقال المؤبد، إضافة إلى العقوبات المؤقتة

ولم يقتصر المشرّع على معالجة الجرائم التي تقع بعد نفاذ القانون، بل وضع أحكامًا انتقالية واضحة للجرائم السابقة وللأحكام التي صدرت قبل إلغاء العقوبة

فبالنسبة إلى الجرائم المرتكبة بعد نفاذ القانون، تُستبدل عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة. أما بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة قبل نفاذه، فتُستبدل عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، أي الأشغال الشاقة المؤبدة

كما نص القانون صراحةً على أن إلغاء عقوبة الإعدام يشمل جميع القرارات القضائية السابقة التي قضت بهذه العقوبة ولم تكن قد نُفذت، بحيث تُستبدل عقوبة المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، وفقًا للأحكام التي حدّدها القانون

وهنا تبرز إحدى أهم النتائج القانونية لهذا التشريع: فالإلغاء لم يكن ذا أثر مستقبلي فقط، وإنما امتد، بنص صريح، إلى الأحكام السابقة غير المنفذة، واضعًا إطارًا تشريعيًا لمعالجة وضع المحكوم عليهم بالإعدام

من العقوبة القصوى إلى العقوبة التي تحمي المجتمع

لطالما مثّلت عقوبة الإعدام الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه سلطة الدولة في المجال الجزائي، لأنها لا تفرض مجرد تقييد للحرية، بل تنهي حياة المحكوم عليه بصورة نهائية لا يمكن الرجوع عنها

أما بعد إلغاء هذه العقوبة، فقد أصبح النظام الجزائي اللبناني قائمًا على إمكانية معاقبة مرتكبي أخطر الجرائم بعقوبات مشددة وسالبة للحرية، من دون الوصول إلى إنهاء حياة المحكوم عليه

وهذا التحول يطرح مسألة تتجاوز اختيار عقوبة بديلة إلى مفهوم العقوبة نفسه: هل تقتصر وظيفة العقوبة على إنزال الجزاء بمرتكب الجريمة، أم أنها تهدف كذلك إلى حماية المجتمع وتحقيق الردع وصون النظام العام، ضمن حدود تحترم الحقوق الأساسية للإنسان؟

إن القانون الجديد يعكس، على المستوى التشريعي، اتجاهًا نحو النظر إلى العقوبة باعتبارها وسيلة لتحقيق العدالة وحماية المجتمع، لا غاية قائمة بذاتها

ما الذي يبقى بعد الإلغاء؟

لا يعني إلغاء عقوبة الإعدام إلغاء مبدأ العقاب، ولا يعني تخفيف المسؤولية عن مرتكبي الجرائم التي كانت تستوجب هذه العقوبة. فالجرائم الأشد خطورة لا تزال تقابل بعقوبات بالغة الشدة، وفي مقدّمها الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة بعد نفاذ القانون

إن التغيير الأساسي يكمن في أن الدولة، وهي تمارس حقها في العقاب، لم تعد تملك إنهاء حياة المحكوم عليه تنفيذًا لحكم جزائي

ومن هذه الزاوية، يكتسب القانون أهمية تتصل ليس فقط بقانون العقوبات، وإنما أيضًا بمفهوم دولة القانون وحدود السلطة الجزائية. فكلما كانت سلطة الدولة في العقاب قوية، ازدادت أهمية أن تكون هذه السلطة محكومة بضوابط واضحة، وأن تبقى حماية المجتمع متوازنة مع حماية الحقوق والحريات الأساسية

خاتمة: ماذا يعني هذا التحول؟

يمثل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان أكثر من تعديل لنصوص قانونية؛ إنه إعادة رسم للحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه العقوبة في النظام الجزائي اللبناني

فالعدالة الجنائية لا تُقاس فقط بصرامة العقوبة، وإنما كذلك بقدرتها على تحقيق غاياتها ضمن إطار يحترم الإنسان ويصون الحقوق الأساسية، حتى عندما يتعلق الأمر بأشد الجرائم خطورة

والرسالة القانونية الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا التحول هي أن قوة القانون لا تكمن فقط في قدرته على العقاب، بل أيضًا في قدرته على وضع حدود واضحة لسلطة العقاب. فالدولة التي تحمي المجتمع من الجريمة تمارس دورها في العدالة، والدولة التي تضع في الوقت نفسه حدودًا لهذه السلطة حمايةً للحق في الحياة والكرامة الإنسانية، تؤكد أن سيادة القانون تعني حماية المجتمع والإنسان معًا