إنهاء الرابطة الزوجية لدى الطوائف الإسلامية في لبنان

بين حق الطلاق وضمانة التفريق القضائي

يتميّز نظام الأحوال الشخصية في لبنان بتعدّد المرجعيات التشريعية والقضائية الناظمة للعلاقات الأسرية، بحيث لا يخضع اللبنانيون لقانون موحّد في مسائل الزواج والطلاق، وإنما تتحدد القواعد الواجبة التطبيق والمرجع القضائي المختص تبعًا للطائفة التي ينتمي إليها الزوجان

وإذا كان هذا التعدد يشكل إحدى الخصائص البنيوية للنظام اللبناني، فإن آثاره تظهر بصورة أكثر دقة عند انحلال الرابطة الزوجية، حيث لا تقتصر المسألة على اختلاف الإجراءات أمام المحاكم الدينية، بل تمتد إلى اختلاف الأسباب والوسائل القانونية المتاحة لكل من الزوج والزوجة لإنهاء الزواج

ومن هنا تطرح الإشكالية الآتية

إلى أي مدى تؤمّن القواعد الناظمة للطلاق لدى الطائفتين السنية والشيعية في لبنان وسيلة قانونية فعّالة لإنهاء رابطة زوجية تعذّر استمرارها، ولا سيما بالنسبة إلى الزوجة، وما هو الدور الذي يمكن أن يؤديه كل من عقد الزواج والقضاء في تحقيق التوازن بين استقرار الرابطة الزوجية وحق أحد طرفيها في طلب إنهائها؟

أولً: اختلاف المركز القانوني للزوجين عند إنهاء الرابطة الزوجية

إن نقطة الانطلاق في معالجة هذه الإشكالية تكمن في التمييز بين الحق في إيقاع الطلاق وبين الحق في طلب إنهاء الزواج عن طريق القضاء

فالزوج يملك، من حيث المبدأ وضمن الشروط المقررة لدى كل طائفة، سلطة إيقاع الطلاق، في حين أن الزوجة قد تحتاج، بحسب النظام المطبق عليها ومضمون عقد زواجها، إلى سلوك طريق مختلف لإنهاء الرابطة الزوجية

ولا يشكل هذا الاختلاف مسألة إجرائية فحسب، بل يرتب نتائج قانونية مباشرة لناحية سبب إنهاء الزواج، وعبء الإثبات، والمدة التي قد يستغرقها النزاع، فضلًا عن الحقوق المالية المترتبة عليه

لدى الطائفة السنية: من الطلاق إلى التفريق القضائي-

شكّل صدور نظام أحكام الأسرة رقم 13 تاريخ 19 نيسان 2025 محطة أساسية في تنظيم أحكام الأسرة أمام المحاكم الشرعية السنية، إذ وضع أحكامًا أكثر تفصيلًا تتناول الزواج وانحلاله والآثار المترتبة عليه

ويملك الزوج، من حيث الأصل، إيقاع الطلاق، مع ما يستتبعه ذلك من إجراءات تتصل بإبلاغ القاضي وتوثيق الطلاق وتثبيت آثاره

ومن هنا، يقتضي التمييز بين وقوع الطلاق من الناحية الشرعية وبين إثباته وتوثيقه وترتيب آثاره القانونية، إذ إن حصول الأول لا يغني عن استكمال الإجراءات اللازمة لجعل آثاره منتجة أمام القضاء والدوائر الرسمية

إلا أن أهمية التنظيم القانوني لا تظهر فقط في تنظيم الطلاق الصادر عن الزوج، وإنما في الوسائل الأخرى التي أجازها لإنهاء الرابطة الزوجية

فالخلع يتيح إنهاء الزواج باتفاق الزوجين وفق شروطه، ولو ترتب عليه عوض أو تنازل من الزوجة عن بعض حقوقها المالية

أما عندما يغيب الاتفاق، فتبرز أهمية التفريق القضائي للشقاق والنزاع

وفي هذه الحالة، لا يعود إنهاء الزواج قائمًا على إرادة الزوج المنفردة أو على اتفاق الزوجين، وإنما يصبح القضاء هو المرجع الذي يقدّر مدى توافر الأسباب التي تجعل استمرار الحياة الزوجية متعذرًا

فالضرب والإهانة وسوء المعاملة وغيرها من صور الضرر، كما أن استمرار النزاع والانفصال الجسدي وفق الشروط التي أخذ بها النظام، يمكن أن تدخل في تقدير قيام الشقاق والضرر

وبذلك يشكل التفريق القضائي وسيلة قانونية تتيح، عند ثبوت شروطه، الخروج من رابطة زوجية لم يعد استمرارها ممكنًا، دون تعليق إنهائها بصورة مطلقة على إرادة الطرف الآخر

لدى الطائفة الشيعية: أهمية الشروط العقدية في تحديد مركز الزوجة-

أما لدى الطائفة الشيعية، فتخضع مسائل الزواج والطلاق للأحكام الجعفرية وتختص المحاكم الشرعية الجعفرية بالنظر فيها

ويملك الزوج، من حيث الأصل، إيقاع الطلاق متى استوفى الشروط الشرعية المقررة، ومن بينها الصيغة الخاصة وحضور شاهدين عدلين من الرجال

غير أن الإشكالية تصبح أكثر دقة عند البحث في المركز القانوني للزوجة الراغبة في إنهاء الزواج

فالزوجة لا تتمتع، من حيث الأصل، بالوسيلة ذاتها التي يملكها الزوج في إيقاع الطلاق، الأمر الذي يجعل البحث في عقد الزواج والشروط الواردة فيه مسألة أساسية قبل تحديد الطريق القانوني الممكن سلوكه

فوجود شرط يخول الزوجة ممارسة حق معين في الطلاق أو وكالة بهذا الخصوص يمكن أن يحدث فارقًا جوهريًا في مركزها القانوني عند نشوء النزاع

كما قد تتوافر، بحسب ظروف كل حالة والأحكام المعمول بها، أسباب تبرر مراجعة المرجعية الجعفرية المختصة، ولا سيما في حالات الهجر أو عدم الإنفاق أو الضرر أو تعذر استمرار الحياة الزوجية

وهنا تحديدًا تظهر القيمة القانونية لعقد الزواج، ليس باعتباره مجرد سند مثبت للزواج، وإنما باعتباره أداة يمكن من خلالها تنظيم بعض الحقوق التي قد يصبح لها أثر حاسم عند تعذر استمرار الحياة المشتركة

ثانيًا: أين تكمن الإشكالية القانونية؟

إن المقارنة بين النظامين تظهر أن مجرد الاعتراف بإمكانية إنهاء الزواج لا يعني بالضرورة تماثل الوسائل المتاحة أمام الزوجين للوصول إلى هذه النتيجة

فالزوج الذي يملك أصلًا سلطة إيقاع الطلاق لا يكون في المركز القانوني ذاته للزوجة التي قد تضطر إلى إثبات الضرر أو الشقاق أو الهجر أو عدم الإنفاق، أو إلى الاستناد إلى شرط وارد في عقد الزواج، أو إلى الحصول على موافقة الزوج في الحالات القائمة على الاتفاق

وهنا تبرز المسألة الأساسية

ماذا يحدث عندما تكون الرابطة الزوجية قد فقدت مقومات استمرارها فعليًا، إلا أن الطرف الراغب في إنهائها لا يملك الوسيلة المباشرة لذلك؟

إن إبقاء رابطة زوجية قائمة من الناحية القانونية، في الوقت الذي تكون فيه الحياة المشتركة قد أصبحت متعذرة بصورة جدية وثابتة، يضع القضاء أمام مهمة دقيقة: المحافظة من جهة على استقرار الأسرة وعدم تحويل مجرد الخلاف إلى سبب تلقائي لإنهاء الزواج، ومن جهة أخرى عدم جعل الرابطة الزوجية قيدًا يستحيل الخروج منه متى ثبت أن استمرارها أصبح متعذرًا

ومن هنا تأتي أهمية التفريق بين الخلاف الزوجي العابر وبين تعذر استمرار الحياة الزوجية الذي تؤيده وقائع وأدلة جدية

ثالثًا: المعالجة القانونية تبدأ من عقد الزواج ولا تنتهي عند صدور حكم الطلاق

إن معالجة هذه الإشكالية لا تكون بإيجاد صيغة واحدة للطلاق تطبق على جميع المسلمين في لبنان، طالما أن النظام القانوني القائم يقوم أصلًا على تعدد أنظمة الأحوال الشخصية

إنما يمكن البحث عن المعالجة ضمن النظام القائم نفسه، وعلى مستويين متكاملين

أ- الوقاية القانونية عند إبرام عقد الزواج

غالبًا ما يتم التعامل مع عقد الزواج بوصفه إجراءً شكليًا يسبق قيام الحياة الزوجية، فيما قد يكون لمضمونه أثر قانوني بالغ الأهمية عند حصول النزاع

ومن هنا، تبرز ضرورة أن يكون الطرفان، ولا سيما الزوجة، على بيّنة من الحقوق والشروط التي يجيز النظام المعمول به تضمينها في العقد، والآثار القانونية المترتبة عليها

فالتوازن لا يتحقق فقط عند النزاع، بل يمكن أن يبدأ منذ نشوء الرابطة الزوجية من خلال تنظيم تعاقدي واضح للحقوق التي يسمح القانون أو النظام الشرعي المعمول به بتنظيمها

ب- فعالية الحماية القضائية عند تعذر استمرار الزواج

أما عند قيام النزاع، فيصبح الدور القضائي أساسيًا

فلا يكفي أن يكون سبب التفريق مقررًا من حيث المبدأ، بل يجب أن تكون الوسيلة القضائية قادرة على التحقق من وجوده وترتيب النتيجة القانونية عليه ضمن مهلة معقولة، بعد ضمان حقوق الطرفين في الدفاع والإثبات

ولهذا فإن بناء دعوى التفريق لا يبدأ من صياغة الاستدعاء، وإنما من التكييف القانوني الصحيح للوقائع

فوقائع الهجر مثلًا تختلف في تكييفها وإثباتها عن عدم الإنفاق، والضرر المادي يختلف عن الضرر المعنوي، والشقاق المستمر يختلف عن خلاف زوجي ظرفي

وبالتالي، فإن اختيار أساس قانوني غير ملائم للوقائع قد يؤدي إلى إطالة النزاع أو رد المطالبة، في حين أن دراسة الوقائع والأدلة وعقد الزواج قبل إقامة الدعوى تسمح باختيار المسار الأكثر ملاءمة للحالة

رابعًا: إنهاء الزواج لا يعني انتهاء النزاع القانوني

ولا تكتمل معالجة مسألة الطلاق من دون النظر إلى آثاره

فالطلاق أو التفريق يحسم الرابطة الزوجية، لكنه لا يحسم بالضرورة جميع العلاقات القانونية الناشئة عنها

إذ قد تبقى قائمة مسائل المهر والمؤخر والحقوق المالية والنفقة، فضلًا عن نفقة الأولاد والحضانة وضم الأولاد والزيارة والاستضافة والسكن وتنفيذ القرارات القضائية

وهذا يعني أن القرار بإنهاء الزواج يجب ألا يدرس بمعزل عن النتائج التي ستترتب عليه

فالمسار القانوني السليم لا يقتصر على الإجابة عن كيفية الحصول على الطلاق، وإنما يقتضي منذ البداية تحديد النتيجة القانونية الكاملة التي يسعى صاحب العلاقة إلى الوصول إليها بعد الطلاق

الخلاصة

تكشف دراسة أحكام الطلاق لدى الطائفتين السنية والشيعية في لبنان أن الإشكالية لا تكمن في الاعتراف بمبدأ إنهاء الرابطة الزوجية، بل في مدى فعالية الوسائل القانونية المتاحة لكل من الزوجين للوصول إلى هذا الإنهاء عندما يصبح استمرار الحياة المشتركة متعذرًا

ويظهر الاختلاف بصورة خاصة في المركز القانوني للزوجة، إذ قد يرتبط طريقها إلى إنهاء الزواج بسبب يتعين إثباته، أو باتفاق مع الزوج، أو بشرط سبق تضمينه في عقد الزواج

ومن هنا، فإن تحقيق قدر أكبر من الحماية القانونية ضمن النظام القائم يمر أولًا عبر تعزيز الوعي بأهمية الشروط الواردة في عقد الزواج، وثانيًا عبر حسن تكييف أسباب التفريق وتفعيل الحماية القضائية عندما يثبت تعذر استمرار الحياة الزوجية

فالغاية ليست تسهيل الطلاق لمجرد حصول خلاف بين الزوجين، كما أنها ليست المحافظة الشكلية على رابطة زوجية فقدت مقوماتها الواقعية، وإنما إيجاد التوازن بين استقرار الأسرة من جهة، وضمان وجود مخرج قانوني فعّال وعادل عندما يصبح استمرار الزواج متعذرًا من جهة أخرى

وهنا تحديدًا ينتقل النقاش من السؤال التقليدي: كيف يقع الطلاق؟ إلى السؤال القانوني الأهم: هل تؤمّن القواعد القائمة لكل من الزوجين وسيلة فعلية ومنصفة لإنهاء رابطة زوجية استحال استمرارها؟